أبي منصور الماتريدي

336

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما « 1 » أمسك عن المعصية وتاب ، وأطال المقام في المحراب ؛ وأبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب ، وللعاصي نفسه بما شذ منه وغاب ، عند كمال القوة وعنفوان الشباب ، وقال : كيف لم أزدد في العمل ؛ لأزداد في الثواب ! ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه ، وهذا أظهر ؛ لأن المسلم إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك يشغله عن اللوم [ على نفسه ] « 2 » ؛ فلا يتفرغ له . ولأن الله - تعالى - يضاعف له من الحسنات ، ويعطيه من الدرجات زيادة على ما استوجبه بعمله ؛ فضلا منه وإنعاما ، فكيف يلوم نفسه بتقصيرها في العمل ، وهو يعلم أن ما وصل إليه من الكرامات ، لم ينل جملتها بعمله ، بل بفضل الله تعالى وبكرمه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ : فقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو باستفهام ؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان ؛ فجائز أن يكون [ ما ] حمله على الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها وتلاشيها ، فيدفع حسبانه هذا بقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] فمن تفكر في النشأة الأولى ، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن صارت رميما ، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها . وجائز أن يكون حسب أن العظام لا تجمع بعد تفريقها ؛ لأنها لو جمعت بعد التفريق ، لم تكن تفرق « 3 » بعد أن وجدت مجموعة ؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد لا يقصد إلى نقض ما بنى ؛ ليعيده مرة أخرى إلى الجهة المتقدمة ، ومن فعل ذلك كان عابثا في هدمه ، ولم يكن حكيما ، فإن كان هذا المعنى هو الذي حمله على الحسبان ، فجوابه أن يقال بأن الجمع الأول وقع لمكان المحنة والابتلاء ، والجمع بعد التفريق لمكان الجزاء ؛ فإذا كان الجمع الثاني لغير الوجه الذي وقع [ له ] الجمع في الابتداء ، كان مستقيما صحيحا ، وإنما يخرج عن حد الحكمة إذا لم تكن الإعادة إلا للوجه الذي وقع الابتداء [ له ] ؛ ألا ترى أن الذي نقض بناءه إذا أعاده لا للوجه الذي كان بني أول مرة ، لم ينكر عليه . وفيما ذكرنا رد قول الباطنية ؛ لأنهم زعموا أن هذه الأنفس تتلاشى وتتلف ؛ فلا تبعث ،

--> ( 1 ) في ب : بما . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : يعرف .